محمد بن وليد الطرطوشي

240

سراج الملوك

الباب الثامن والعشرون في الحلم قال الله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [ هود : 75 ] وقال تعالى : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [ الحجر : 85 ] . قال علي رضي الله عنه ، الصّفح الجميل : الرّضا بلا عتاب . وقيل : الصفح الجميل : الرّضا بلا توبيخ فيه ولا حقد معه . وفي الأمثال القديمة : كاد الحليم أن يكون نبيا . ويروى أن رجلا قال : يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن ولا يكثرن علي فأنسى ، قال : « لا تغضب » « 1 » . واعلم : أن الحلم أشرف الأخلاق ، وأحقّها بذوي الألباب ، لما فيه من راحة السر ، واجتلاب الحمد ، وأحقّ الناس به السلطان ، لأنه منصوب لإقامة أود الخلائق ، وممارسة أخلاقهم ، ولا يطيفون به في حال سلمهم ، وإنما يغشون بابه حين تنازعهم وخصوماتهم وشرورهم ، وتكدّر نفوسهم ، وضيق أخلاقهم ، فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم « 2 » وقع تحت عبء ثقيل . وكان أنوشروان ذا حلم وأناة ، وكان يقول : في خصلتان ، لولا أنهما ظاهرتان عند الرّعية لضقت بهما ذرعا : الحلم والأناة . وروي أن يحيى بن زكريا ، لقي عيسى بن مريم ، عليهما السلام ، فقال : يا روح الله ، أخبرني بأشدّ الأشياء في الدارين ؟ قال : غضب الله تعالى : قال : يا روح الله : وما ينجيني من غضب الله تعالى ؟ قال : ترك الغضب : قال : يا روح الله : كيف بدوّ « 3 » الغضب ؟ قال : التعزز ، والتكبر ، والفخر على الناس . وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « وجبت محبة الله تعالى على من أغضب فحلم » « 4 » .

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن أبي هريرة ورواه الإمام أحمد والحاكم عن جارية بن قدامة والحديث صحيح ( الجامع الصغير - رقم 9835 ) . ( 2 ) بوادرهم : ما يبدو ويظهر منهم عند الغضب . ( 3 ) بدوّ الغضب أي بدايته وعلامة ظهوره . ( 4 ) الحديث : رواه ابن عساكر عن عائشة ( كنز العمال ج 3 / رقم 5826 ) .